• ×

11:31 مساءً , السبت 4 يوليو 2020

التعليقات ( 0 )

هزمتنا أخلاقنا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تعقيباً على رسالة أحد قرائه كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله مقالاً بعنوان ” نعم لقد هزمنا ” وذلك بعد نكسة الجيوش العربية عام 1967م ، و على إثرها تمكن الكيان الصهيوني من احتلال غزة والضفة الغربية وسيناء و الجولان خلال ستة أيام فقط ، جاء فيه :

( نعم لقد هزمنا في فلسطين ولم تهزم فينا إلا الأخلاق التي قبسناها من غيرنا ، وتركنا لها أخلاقنا..أما الإرث الذي تركه محمد صلى الله عليه وسلم في عروقنا وصبه في دمائنا فلم يهزم ولن يهزم أبداً )..

جنح بي الخيال لدى قراءتي كلام الشيخ رحمه الله إلى الإرث الذي خلفه المسلمون من الانتصارات والبطولات التي تضوع بها التاريخ وانتشى صدر الزمان فظلت عالقة في الأذهان تشرق صفحاته بمبادئ رجاله و أخلاقهم التي سحرت الناس وعبَّدت قلوبهم..

وهو الكلام ذاته الذي جعلني أهبط على أرض الواقع وألامس بعقلي أديم الحقيقة وأنا أشاهد كغيري اليوم صمود الشعب الفلسطيني البطل في غزة وتفوقه على أسطورة الجيش الذي لا يهزم كما يشاع..

وبين سكرة الخيال وصحوة الواقع قفز إلى ذهني سؤال ملح ما سر صمود أهلنا في غزة اليوم؟

وهو الذي جر خلفه أيضاً سؤالاً آخر أكثر إلحاحاً ! إذا كان هؤلاء بعددهم القليل وإمكاناتهم المتواضعة والحصار الذي يطوقهم من كل اتجاه استطاعوا الصمود فلماذا هزمنا إذن قبل عدة عقود؟!

نعم لقد تفوق علينا أعداؤنا لأنهم نجحوا في أن يسحرونا بأخلاقهم الجوفاء ويزهدونا في أخلاقنا السامية.

هزمنا أعداؤنا لأنهم نجحوا في أن يجعلوا أطفالنا نهب ثقافات متعددة تهبط بهم إلى أرذل مدارك الانحطاط والتيه فيما يصعدون بأطفالهم إلى قمم العدل والمساواة والحرية..

وفي هذا الوقت العصيب الذي يشهد تداعي العالم على قصعة الشرق الأوسط لم يعد أمامنا لننتصر سوى أن نفتش عن أخلاقنا التي أضعناها..

تلك الأخلاق التي لا تمثلها داعش المتنمرة والتي تستعر غلواً وتزمتاً فتغرس خنجرها في خاصرة الإنسانية بكل معانيها ..

ولا تعكسها أبواق التطرف والطائفية التي تموج بها المنطقة فتصم الآذان حتى لا نكاد نسمع معها صوت الاعتدال والاتزان ..

ولا الأقلام المتلونة التي تترجم البراغماتية في أبشع صورها فتستغل الفرص للنيل من خصومها مسخرة كل طاقاتها لتخوينها وإقصائها.

فالأخلاق أساس الحضارة وهي شكل من أشكال الوعي الإنساني ومجموعة من القيم والمبادئ التي تضبط سلوك البشر .

يقول شوقي:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فإن لم يكن تمسك أهل غزة بأخلاقهم ومبادئهم وتشبثهم بشعاع بالأمل الذي يتسرب يوماً بعد آخر عبر الثقوب التي تزيدها شروخ النصر في جدار الاحتلال هو سر صمودهم.. فما السر إذن؟!

نعم لقد هزمنا وليس العار بأن يغلب البطل وهذا لا يعني مطلقا أننا لن ننتصر



 0  0  443