• ×

01:10 صباحًا , الأحد 5 يوليو 2020

التعليقات ( 0 )

الشيخ الذي مات طفلاً

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تناقلت وسائل الإعلام قبل أيام خبر وفاة ” سام بيرنز ” أو الطفل المسن كما يلقب عن 17 ربيعاً إثر إصابته بمرض نادر يعرف بـ”متلازمة بروجيريا” أو ” الشيخوخة المبكرة” وهو المرض الذي يصيب طفلاً واحداً من بين أربعة إلى ثمانية ملايين طفل حول العالم لا يعيشون غالباً أكثر من ثلاثة عشر عاماً يبدون خلالها أكبر من أعمارهم بمراحل.

في واقع الأمر لم يلفت نظري لدى قراءة هذا الخبر إصابة أحد ما بهذا المرض الغريب فالأيام حبلى بالمفاجآت والدنيا كالبحر يضمر في أعماقه أسراراً أكثر مما يطفو على سطحه والله قادرٌ على كل شيء ، كما لم يفاجئني اهتمام الإعلام الغربي بـ ” سام ” ولهفه على إذاعة أخباره حتى أصبح الطفل الأكثر شهرة في العالم كونها مجتمعات تقدر الإنسان وتهتم بكينونته لدرجة دعوة ” سام ” إلى مؤتمر “تيد إكس” العالمي المهتم بنشر الأفكار التي تستحق التقدير ليكون ملهماً للشباب ووقوداً لتشبثهم بالأمل وتطلعهم للحياة ، ثم توثق قصته في فيلمٍ بعنوان ” الحياة كما يراها سام “.

إلا أن ما لفت نظري هو كلمات “سام” نفسه : ( لقد عانيت بسبب مرضي كثيراً ولكني لا أريد أن يحزن أحدٌ لأجلي ) فليس المدهش هنا حديثه أمام وسائل الإعلام بكل هدوء وأريحية وتطلعه للمحيطين به وعدسات المصورين ترصد حركاته و سكناته بثقة لا تصغي فيها إلى نبرة الحزن والانكسار أو تلمح معها على قسماته شحوب الألم والاكتئاب ولكن المثير للدهشة حرصه النادر كندرة مرضه على مشاعر الآخرين وأن يكون ملهمهم حتى آخر لحظات حياته ..
إن من يتتبع خيوط الدافعية لدى الناجحين مهما كان حجم آلامهم والصعوبات التي تحوطهم يجد أبصارهم شاخصةً نحو أهدافهم فلا يغشيها الألم مهما كانت حدته أو تفاقمت سورته ويجدهم قادرين على إلهاب حماس من حولهم ودفق دماء العطاء في شرايينهم .

فالأمل يولد من رحم المعاناة .. كما ينبت البرعم الفتيُّ على أغصان الشجرة الطاعنة..

تقول الدكتورة بريندا شوشانا في كتابها ” معجزات زن” معلقةً على فكرة مدارس زن التي انتشرت في اليابان في القرن الثالث عشر وهي مأخوذة من كلمة زازن اليابانية وتعني التأمل جلوساً : ( إنها تدور حول اكتشاف وتكريم الرأس الذي على كتفيك والقلب الذي يرقد في هذه اللحظة داخل صدرك لقد قلب وجهة البحث نحو اكتشاف ما يدور في دواخلنا والثقة به).

يقول فيوجن سيزاكي: لا تضع رأساً فوق رأسك .. ما مشكلة ذاك الذي بين يديك..

لقد وجد ” سام ” بيئة خصبة زرعت الثقة في دواخله وعززتها في صدره وشحذت همته نحو الهدف الأهم كما تفعل نظرية ” زن” التي تغوص في أعماق النفس البشرية لتحلحل أغصان المشكلات المتشابكة فيها : ” مرض حزن ، قلق ، إحباط …”

في الحقيقة لا أجدني مؤمناً بترهات ” زن ” وقدرتها الخارقة على حل المشكلات لكني أعتقد جازماً أن الثقة التي تسعى إلى غرسها في نفوس طلابها هي سبب السكينة التي يعيشها الناجح مهما كان حجم أعاصير الفشل حوله، وإن كان هؤلاء القوم يبحثون عنها في غير مضانها فإننا نجدها أقرب إلينا من أي شيء إنها تبدأ أولا من الإيمان بالله والتوكل عليه.

فإذا ما أردنا بناء جيل ينهض بمستقبل الوطن فعلينا أن نزرع الثقة في نفوس أطفالنا مهما كانت قدراتهم ونشحذ هممهم نحو الهدف الأسمى مكرسين طاقاتنا لإجابة أسئلتهم ونزع ملصقات الفشل التي تطبعها على جباههم التجارب السلبية يوماً بعد آخر.

إن العائق الكبير أمام أي مبتلى مهما كان حجم مصابه هي المعاناة التي يعيشها نتيجة ذلك الألم واستسلامه لقيود الحسرة وجلد الذات وبالتالي انعدام الثقة بالنفس وعجزها عن تجاوز المعوقات .. وقد نجح ” سام ” في التخلص من أغلالها واكتفى بالألم والألم وحده وإن افترس جسده فلم ينل من عزيمته أو يفت في عضده فانعتقت همته وحلق بإصراره بعيداً ليعانق بحديثه شغاف قلوب جماهيره ، وانطلق فيما تبقى له من أنفاس ينفث الأمل في أرواح الأموات الأحياء في مجتمعه وما أكثرهم من حولنا ، فمنهم من قضى نحبه مستسلماً لمعاناته ومنهم من يحتضر.

 0  0  441