• ×

01:30 صباحًا , الأحد 5 يوليو 2020

التعليقات ( 0 )

أين المرور؟!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الفوضى التي تضرب بأطنابها طرقاتنا نتيجة لعدم احترام الأنظمة أو الاكتراث بالقوانين تجعل من شوارعنا – في ظني –واحدة من أكثر الأماكن التي تثير القلق والتوتر في العالم ، وتصيب من يجوزها بسيارته أو راجلاً بحالة عصبية عنيفة ودوامة نفسية مريرة في كل مرة تسوقه الأقدارُ إليها لحاجة أو حتى من دون حاجة، وهو مانلمسه عندما نقود في دول أخرى ونعقد مقارنات بين القيادة لدينا ولديهم، والمضحك أن من يتجاوزون الأنظمة هنا هم من يتبعها حذو القذة بالقذة هناك !

.. عندما أجول بسيارتي أشعر أحياناً بأني أمتطي صهوة الخطر وأمخر عباب المجازفة خصوصاً في الإجازات الرسمية ، فأجدني أجفل لدى كل تقاطع وأتوجس قبل كل إشارة وأفرّ من المسار الأيسر فراري من الأسد، فالهروب في مثل هذه الحالات في اعتقادي شجاعة والنكوص في رأيي جرأة ، ألم يقل المتنبي :

إِنّ َالشُّجَـاعَ هُـوَ الجَبَـانُ عَنِ الأَذَى

وأَرَى الجَـرِيءَ عَلَى الشُّـرُورِ جَبَـانَا

.. وكلما حاولت أن أضع قائمة محددة للأماكن التي يجب علي تفاديها في مشاويري الخاصة لعلِّي أجنب نفسي بواعث القلق تلك والتي تجعل الحليم حيران، مستعرضاً صورتها القاتمة التي طبعت في مخيلتي وخلفت ذلك الانطباع السيئ لدي ، يقفز في ذهني ويقدح زناد ذاكرتي مكانٌ مأزوم آخر يثير فيَّ كوامن القلق و الانقباض، وتكون النتيجة النهائية ( لا مفرّ ) فالطرق كلها تؤدي إلى ” ذات القلق”.

وأما إشارات المرور التي وضعت لحفظ النظام وتنظيم السير ” كما يُفترض ” تتحول فجأة خصوصاً في أوقات الذروة إلى جهازٍ لاختبار القدرات وللتمرين على ضبط النفس وكبح جماحها والسيطرة على فورتها.

..هناك حيث تضج الآذان بأبواق السيارات المزعجة..تجد سائقاً متنمراً يتربص خلف مقود سيارته مقطب الجبين يحدج من حوله بنظرات شزراء يزاحم هذا وذاك محاولاً الخروج من هذا المأزق الشائك وكأنها مشكلته وحده و السيارات المتراصة حوله ليس لها نفس الهدف وذات المشكلة و عليها أن تخضع لرغبته وتستنيم لتوجيهاته وإلا سيصب جام غضبه عليها دون رأفة أو هوادة ، فأنظمة المرور لدينا في ظل غياب التوجيه سرعان ما تتحول إلى قانون غاب يأكل فيه القوي الضعيف ويخضع فيه المتبع للأنظمة للقافز عليها رغبة في السلامة والخروج بأقل الأضرار.

علماً بأن هذا النوع من السائقين- أعني الذي يفقد السيطرة على تصرفاته ويستأسد على من حوله-يؤذي نفسه قبل الآخرين نتيجة لتعرضه لموجة عارمة من الغضب الذي يفتك في داخله فيدفق دماء القلق في شرايينه وتتوتر أعصابه ويظل يكابد سورته الحادة إلى أن يصل إلى وجهته .. إنه باختصار يأكل بعضه.

يقول ريتشارد كارلسون صاحب كتاب ” لا تهتم بصغائر الأمور” قدت بسيارتي مسافة 40 ميلاً وطوال الطريق استمعت لتسجيل صوتي ممارساً هوايتي المفضلة في الاسترخاء بينما مرَّ من جانبي سائق متهور يقود بغضب وحنق ويتجاوز السيارات بسرعة هائلة ، ومع ذلك اكتشفت في نهاية المشوار أني وصلت قبله!

ويرى الدالاي لاما: بأن التأمل يساعد الإنسان في السيطرة على نفسه وعندما يسيطر عليها فإنه يصبح هادئاً وتكون نظرته للحياة هادئة،وخيرٌ من ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام : (ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله جل وعلا).

..إذن فاسترخ ، وتأمل ، وسيطر على غضبك ، فلا يوجد في ظني أسلوبٌ أكثر نجاعة وأمضى أثراً من ذلك لتخطي عثرات الطريق وحتى نتجاوز تلك التصرفات الساذجة التي تصادفنا عند القيادة في طريق يشاركنا فيه سائقٌ متهور.

هذا التهور والتنمر المتنامي هو ما زاد –في رأيي – من نسبة الحوادث لدينا ، ففي إحصائية قدمتها صحيفة اليوم في عددها الصادر في 13 إبريل 2013م تفوّقت محافظة الأحساء في عدد الضحايا بنسبة 11بالمائة للمعدل العام لوفيات حوادث السير على مستوى المملكة وقد أظهرت تلك الإحصاءات ارتفاعَ وفياتِ الحوادث المرورية خلال الأشهر الثلاث الماضية، والذي بلغ 178شخصا وهو ما ينذر بارتفاع معدل تلك الحوادث عن العام المنصرم.

ومع تنامي ظاهرة التهور والقفز على الأنظمة تلك ما أدى إلى ارتفاع حصيلة الحوادث بهذا التسارع المخيف والذي جعل الأحساء في طليعة ( الطرق الدامية ) في المملكة نتساءل باستغراب ” أين المرور”؟!

وهو السؤال الذي طرحه مرتادو موقع التواصل تويتر قبل أيام عبر وسم شهد إقبالاً كبيراً وتفاعلاً مثيراً جسد في نظري المشكلة المترامية ووضع في كثير من التغريدات اليد على الجرح النازف الذي أراق الأرواح وأهدر المال العام.

ما أحوجنا اليوم إلى أن نشر ثقافة احترام الأنظمة واتباع القوانين بشكل عام والمرورية بشكل خاص لنحقق قيادة آمنة ومثالية نخرج فيها بأقل الأضرار على صحتنا ومن حولنا.

 0  0  727