• ×

03:41 صباحًا , الثلاثاء 21 مايو 2019

التعليقات ( 0 )

الداعشي الذي فجَّر نفسه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
( حياة باي ) رواية الأديب الكندي "يان مارتن" التي حصدت جائزة "مان بوكر" للرواية *، هي واحدة من أكثر الروايات الفلسفية ذكاءً وتعقيداً .
وفيها تتصارع قصتان إحداهما تعتمر قبعة المنطق والعقلانية ، ينجو فيها بطل القصة "مولتيور باتل" ذو الستة عشر عاماً أو "باي" كما اشتهر في أحداث الرواية من الغرق بعد أن غمرت مياه المحيط الهادي السفينةَ التي كان يستقلها في رحلته الطويلة مع عائلته ومجموعة من الحيوانات التي يملكها والده .
*وما هي إلا ساعات قليلة حتى وجد "باي" نفسه في قارب صغير مع مجموعة من الحيوانات " قرد وضبع وحمار وحشي ونمر آسيوي مفترس يدعى ريتشارد باركر"...
227 يوماً من الفزع *مرت على باي وهو *يصارع أمواج البحر في قارب النجاة الصغير يشاهد الحيوانات تنقض على بعضها واحداً تلو الآخر بقدر ما تقتضيه شهيتها المفتوحة ورغبتها في البقاء ، وفي نهاية المطاف لم يبق سوى باي وريتشارد وجها لوجه ، الفتى الهندي اليافع والنمر البنغالي المفترس..
سبعٌ وغلام أنهكهما الجوع والتعب وجدا نفسيهما أخيراً في جزيرة مهجورة تسربت إليهما شمسها الدافئة فأيقظت في جوانحهما أمل البقاء *بينما رسخت اليابسة علاقتهما بالحياة بعد أن كادت الأمواج العاتية أن تقطعها في عرض المحيط الثائر ، فأخذا يأكلان فيها ما لذ وطاب، و يذوقان في كل لقمة –أخيراً-طعم الراحة والأمان.
وبعد أن خيم الظلام ، وبعدما شعرا لوهلةٍ أنهما ولدا من جديد كشرت الجزيرة عن أنيابها فأخذت بشمالها في المساء ما منحتهما إياه في الصباح *حيث أحاطهما الرعب بمعصميه من جديد ودبت الحياة في العروق الميتة فتحرك آكلو لحوم البشر سكان الجزيرة العجيبة بحثاً عن الطعام .. فعاد "ريتشارد" الوحش المفطور على الدماء مذعوراً إلى حضن القارب وتبعه "باي" الإنسان.
وعادا إلى عرض البحر من جديد وما هي إلا سويعات حتى عادت إلى ذاكرتهما لسعات الجوع ليتجدد صراعهما من أجل البقاء وليس لشيء آخر!
دارت الأحداث حسب رواية "باتل" وبتسلسل منطقي حافل بالتشويق والإثارة تغلب فيه ذهن الفتى الوقاد على وحشية النمر المفترس ، وبعد أن وضعا قدميهما على اليابسة أرض النجاة ومفازة الحياة سقط الفتى مغشياً عليه وسار النمر في طريقه دون أن يلتفت إليه أو يلقي له بالاً.. وكأنه يرسل رسالة عميقة مفادها أن وحشية الحيوان مهما بلغت فهي وحشية فطرية تهدف للبقاء ولا تنطوي على أحقاد أو مواقف شخصية أو عداوة ممتدة ومعقدة.
إلا أن الشخصين الذين بعثتهما الشركة اليابانية صاحبة السفينة إلى المستشفى لكتابة تقرير الحادثة لم يقتنعا بتلك الرواية فطلبا منه رواية أكثر إقناعاً بعيداً عن التشويق والإثارة كي يضمنوها تقريرهما للشركة لتسد به أفواه أهالي الضحايا وشركات التأمين المسعورة *، رواية تجسد الواقع بنمطيته ومرارته.
فأعاد "باي" الرواية بطريقة أكثر إقناعاً وملالة تعتمر هذه المرة عمامة الموروث والمعتقد تخاطب الإيمان بقدر رسوخه في قلب من يقرأها ، مستبدلاً شخوص الرواية الأولى الحيوانية بشخوص بشرية أخرجت الطبيعةُ الحيوانَ الذي يتقمصها ليتغلب على الواقع البشع في صراع البقاء ، إنسان الغاب الذي يرمز به إلى والدته وحمار الوحش الذي يرمز للبحار والضبع الذي يرمز للطباخ ، والفتى اليافع وهو في صراعه مع خياله والحقيقة يغالب الموت ويصارع للبقاء ذلك النمر الآسيوي المفترس المختبئ في دواخله والذي لم يكن يرمز في حقيقة الأمر إلا "لباي" نفسه.
عندها التفت إلى اليابانيين متسائلاً ما رأيكما؟ أي القصتين ستختاران؟
فقالا وهما يغالبان دموعهما : الأولى طبعاً..
أي القصتين ستختار ؟ هو السؤال ذاته الذي يضطرب في دخيلة كل منا اليوم كلما فجعتنا العمليات الإجرامية للتنظيم الإرهابي داعش ، هل داعش تنظيم إرهابي جاء محض الصدفة على حين غرة من المجتمع الدولي وذهوله بأحداث المنطقة فانتشرت خيوطه في أرجاء المعمورة يصيب بأذاه أيها شاء وتحت يده تتفجر فجأة إمكانات ضخمة مادية ومعنوية يعجز العالم المتحالف عن إضعاف قوته أو تحجيم دوره؟
أم هو صنيعة مؤامرة كونية التأمت فيها "الصهيوصفوية" على جراح أمتنا الإسلامية تخطط لسوق المنطقة العربية موطن الملاحم الموعودة لهرمجدون المزعومة؟.
وبينما يتردد هذان السؤالان الحائران في عقولنا -هل نصدق المنطق المتسلسل المثير الذي تسوقه الوكالات العالمية عن داعش الهوليودية ببراهين وحجج متفرقة؟ كما تلوح بوادر التقسيم ، بعدما تجلت ملامح الفوضى الخلاقة!.
أو نكذبه بناء على إيماننا العميق بنوايا أعدائنا ومعتقداتهم وسنة الله الماضية ببقاء الصراع معهم حتى تحين الملحمة الفاصلة – *كتب سفيرنا في الولايات المتحدة الأمريكية سابقاً الأمير بندر بن سلطان بعد الاتفاق النووي مع إيران:
.. أنا أكثر اقتناعاً من أي وقتٍ مضى بأن صديقي العزيز ، الثعلب القديم هنري كسينجر ، كان مصيباً حين قال : على أعداء أميركا أن يخشوا أميركا ، لكن على أصدقائها أن يخشوها أكثر.
وأما الفاروق عمر بن الخطاب فكان صاحب رؤية شاملة ونظرة ثاقبة حين كتب إليه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: " أما بعد يا أمير المؤمنين : فإن في عملي كاتباً نصرانياً ، لا يتم أمر الخراج إلا به ، فكرهت أن أقلده دون أمرك ".
فكتب إليه عمر ينهاه عن الثقة بأهل الكتاب قائلاً: " عافانا الله وإياك قرأت كتابك في أمر النصراني ، أما بعد : فإن النصراني قد مات ، والسلام ".
وبينما نندهش من غلو هذا الفكر وغلواء المنتظمين في شبكته الخبيثة يتسرب إلى عقول فلذات أكبادنا فجأة فيتمنطقوا بأحزمته الناسفة ليفجروا أنفسهم ويقتلوا آباءهم ويغرزوا في خاصرة المجتمع خنجر الغدر واللؤم ، ويظل السؤال الحائر يتردد في أذهاننا من استطاع أن يجيش أبناءنا ضدنا ويخرجهم من تحت جناحنا ذئاباً منفردة مفخخين بالموت؟! .

 0  0  521