• ×

03:41 صباحًا , الثلاثاء 21 مايو 2019

التعليقات ( 0 )

خشيةَ أن يتضاعفَ القلق !

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في أواخر عام 1274هـ قَدِمتْ إلى جدة لجنةٌ دولية شُكلت من أعضاء ينتمون لدول إنجلترا وفرنسا وبشكل أقل من الدولة العثمانية ، لتقصي أسباب مقتل القنصل الإنجليزي فيها!
وبالرغم من أنه قضى على أيدي الحشود الغاضبة بعد أن طوقت القنصلية رداً على اقتحامه عنوةً مركب أحد تجارها ويدعى صالح جوهر كان قد أنزل علم إنجلترا ورفع مكانه العلم العثماني ، وهو ما أثار دخيلته فنزع علم الدولة العثمانية عن ساريته ومرغه تحت قدميه ، وغادر المركب مخلفاً وراءه ما علق في ذاكرة جوهر من عبارات التهديد والشتم.
ومع أن الحشود يصعب قيادها والسيطرة على تنمرّها كما يشير جوستاف لوبون في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير" إلا أن لجنة تقصي الحقائق تلك اكتفت بالتحقيق مع أهالي جدة وتغاضت عن الطرف البادئ تماما ، كما تجاهلت تبعات اغتيال القنصل والقصف الجنوني الذي مارسته القوات العسكرية الإنجليزية على تخوم جدة ونتج عنه مقتل العشرات أغلبهم من النساء والأطفال ونزوح بقيتهم فراراً من شواظ القذائف الإنجليزية المستعرة.
والمفارقة العجيبة أن نامق باشا حاكم الحجاز في الدولة العثمانية وقتها رفض مناشدات الأهالي بالرد الحازم على تصرفات الإنجليز ومنها إرسال خمسين ألف مقاتل من مختلف القبائل أو إغراق المركب الإنجليزي على أقل تقدير ، وهي المطالبات التي ألقاها وجهاء القبائل الحانقون على وجهه وهم يفتشون عن بقايا كرامتهم التي مرغها القنصل المتعجرف تحت قدميه إلا أن بصيرته لم ترتد إليه وظل متشبثاً برأيه ، بل وأقنعهم فوق ذلك باسترضاء الإنجليز ومساعدتهم في التحري عن قاتل القنصل ، فكانت النتيجة وبعد سلسلة طويلة من التحقيقات أن أدانت اللجنة الدولية وحكمت بالإعدام على أغلب وجهاء جدة وقادة العثمانيين فيها ومنهم نامق نفسه صاحب الرأي الخاضع لسطوة الإنجليز وأحد أعضاء تلك اللجنة ، ما أثبت بما لم يدع مجالاً للشك أن الهوان لا يورث إلا الخيبة.
والغريب في الأمر أن دحلان المكي صاحب كتاب " خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام " والذي تناول تلك الحادثة لم يورد سبباً وجيهاً لتصرف القنصل الذي خرج عن دوره الدبلوماسي وأخذ يتصرف بعنجهية المستعمر المستبد ، كما لم يذكر سبباً واحداً لرفع التاجر علم إنجلترا بينما تخضع بلاده لحكم العثمانين آنذاك ، كما تناول الحادثة أيضاً الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في إحدى مقالاته التي ذيلها بشكر الله والثناء عليه على نعمة الأمن التي أسبغها على بلاد الحرمين في الوقت الذي كان يسرد فصولها آمنا في سربه ، وهو الأمر الذي يدعونا لأن نحمد الله أكثر ونحن نشاهد عبث اللجان المتربصة حولنا ؛ على نعمة الحزم والعزم أدامها الله وبارك فيها.
بقي أن أقول إنها صورة مكرورة لموقف الغرب المنحاز لمصالحه والبعيد جداً عن الإنصاف ونصرة المظلوم عدا مزيدٍ من القلق السياسي المقرف والذي كلما تضاعف تفرعت لجانه فتضخمت آلامنا وجراحنا.
.... وما عليكم معشر "المغلوبين على ضمائرهم" سوى أن تستبدلوا صورة اللجنة تلك بجميع اللجان المنبثقة عن هيئة الخيبات والنكبات الأممية في وقتنا الحالي، وصورة جدة بحلب والفلوجة وتعز ، وصورة أهالي جدة القدماء المقهورين من الضيم والظلم بصورة أهالي سوريا والعراق واليمن ، وصورة القنصل ببشار والحوثي ونصر الله ، أما صورة نامق باشا فأتركها لخيالكم الخصب !.
‪© 2016 Microsoft‬ الشروط الخصوصية وملفات تعريف الارتباط المطوِّرون العربية

بواسطة : فؤاد السليمان
 0  0  880