• ×

03:41 صباحًا , الثلاثاء 21 مايو 2019

التعليقات ( 0 )

بين غلبة الأنا وقمع الذات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تساءل أحد القراء يوماً عن سبب كتابة شخص مثل أنيس منصور في الصحيفة ! ، ولماذا هو بالذات ؟ وما حاجتنا إليه؟ فأخذ الأخير يسرد في مقال لاحق سيرته الثقافية ومنجزاته الأدبية ومؤلفاته ورحلاته ومواقفه مع السادات ورموز السياسة في العالم إلى أن قال : "أعوذ بالله من يوم لا أقول فيه أنا " وهذه الأنا التي تتورم أحياناً فتحول دون المرء ومن حوله وتضرب بينهما بسورٍ ليس له باب ، نحتاجها أحياناً لنرد على من يقمعون ذواتنا ويحاولون لسببٍ أو لآخر لجم أفواهنا ، كما أنها والحديث عن الـ " أنا " لاتصعر خدها للآخرين على الدوام ففي الشعر مثلاً تملؤهم زهواً وفخراً وقد قيل : أعذب الشعر أكذبه ، وقد فعلت حين أمسكت بخطام النبوغ في بيت المتنبي الشهير:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ..و أسمعت كلماتي من به صمم
ورسمت لوحة فنية خلابة للفخر والكبرياء في قول عمرو بن كلثوم : إذا بلَغ الفطامَ لنا صبيٌّ ** تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا
تحدث ذات يوم رئيس الأورجواي السابق خوسيه موخيكا فقال : لم نشتر طائرة رئاسية وشعبنا في الحقيقة ليس بحاجة لطائرة رئاسية ولكننا اشترينا مروحية باهظة الثمن لنقل المرضى والجرحى لأن شعبنا يحتاج ذلك..
وخوسيه الرئيس الأفقر في العالم كما يحلو لوسائل الإعلام تسميته يعيش في ذات الحي الذي كان يسكنه قبل ولايته ويقود ذات السيارة التي كان يركبها ويتبرع بـ ٩٠٪‏ من راتبه للفقراء والمحتاجين.. وبالرغم من تجرده و انكسار ألفاظه في حضرة شعبه إلا أن معاني الزهو والفخر التي دثرت كلماته تكاد ترقص على عزف المعاني دون وزن أو قافية فوق ما رقصت على وقع أبيات المتنبي وابن كلثوم سالفة الذكر لرشاقتها وتخففها من أعباء البروتوكولات و أحمال الرسميات ، على عكس تلك الأنا المتضخمة في حديث البعض حتى لا تكاد تسمع أو ترى إلا صورته في كل زاوية من زوايا حديثه وتحت أرففه وفوق منضدته ، مثقلة بأوزار النرجسية والغرور..
من المؤسف حقاً أن تطغى لغة التعالي والخيلاء ليس على حديثنا فحسب بل و على أفراحنا و أحزاننا وعاداتنا وتلون طباعنا وأفكارنا وتصبغها بالمظاهر والشكليات المقرفة وكأننا نريد أن نقول لمن حولنا جملة تضخم الأنا كلَّ مفردةٍ من مفرداتها فلا تفيد بقدر ما تضر..
تلك الأنا التي كسر النبي عليه الصلاة والسلام سورتها بقوله : "أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله" وبفعله حتى كان الغريب يأتي فلا يعرفه بين أصحابه مالم يسأل عنه فيدلوه.
ولذا فنحن في حاجة إلى جيل ينبذ العصبية والقبلية و الطائفية والطبقية وينسجم جميعاً لبناء وطنه .. فالمربي من أوجب واجباته تقدير ذوات أبنائه بما يسهم في بناء شخصيتهم ويعزز استقلاليتهم و يمكنهم من شق طريقهم في الحياة ليكونوا عناصر فاعلة في المجتمع بالحوار الفعال و الاستماع الإيجابي وغرس الأخلاق النبوية في صدورهم و تربيتهم على القيم الفاضلة و أهمها التواضع..
من حق كل منا أن يفخر بإنجازاته و يزهو بقدراته ويسعى لتطوير نفسه إلا أنه من المعيب جداً أن تطغى لغة الفخر فينا على حقيقة حاجتنا للآخرين و حاجتهم لنا و أن تنسينا أننا جميعاً كأسنان المشط و أن التمايز الحقيقي في تلك التقوى النابتة في صدورنا ولا يحيط بجذورها وسيقانها و أكمامها سوى الله..

بواسطة : فؤاد السليمان
 0  0  580