• ×

03:41 صباحًا , الثلاثاء 21 مايو 2019

التعليقات ( 0 )

الصمتُ أو الغرق

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لستُ من المفتونين كثيراً بمزية الصمت مقارنة بالكلام ، إلا أنني مررتُ بأوقاتٍ عضضتُ فيها على مفاصل الحروف قبل أن تجري على شفتي جملةٌ أعبر فيها عن رأيي الخاص حين تدهمني النقاشات الحادة والآراء الموتورة و تكون الغلبة فيها للأنا الضيقة على رحابة الرأي والرأي الآخر ، لا سيما في أكثر مظانها جلبةً وصخباً “وسائل التواصل الاجتماعي ” أو حتى في جلسة عرضية على ناصية حديث مال على حين غرة عن مساره المنشود ذات خلاف فانحرف عن مقاصد الاتفاق والاجتماع إلى مفاسد الخلاف والفرقة ، حتى غبطت الذين يجيدون فن الصمت ويعزفون على أوتار الحياد ، فيكسوهم جلالاً وهيبة.
وتزداد تلك الغبطة حين يحتدم النقاش حولي ولا أكون طرفاً فيه ، فأشاهد بأم عيني كيف تنفرط سبحة الحوار فجأةً وتصبح الكلمة نهب التجاذبات العصبية والتراشقات الكلامية فتتحول فيها السيادة من الفكرة إلى النبرة ليفوز صاحب الصوت الأعلى وتنكسر على صخرة تصلبه نصال مخالفيه، فيما يظل سيفُ الصامتِ في غمده محافظاً على هدوئه واتزانه.
ومن يقف على شواطئ الجدال ويعزف عن الخوض في لججه وتكون له حظوة مشاهدة الناجين من أمواجه العاتية و الغارقين في خضمه لا يفكر مطلقاً خوض التجربة حتى وإن كان ماهراً في السباحة ، فلا سواعده الفتية ولا مهارته تلك يمكنها أن تنجيه من غدرات المتخبطين حوله في غمرات الجدل والخلاف ، ذلك يجرّه بحثاً عن طوق نجاة والآخر يدفعه ليكمل طريقه ، ويصبح في خضم موجةٍ عملاقة تتصارع داخله رغبتا الحياة والخوف من الغرق ، فالأولى تصونه عن شرور الكلام وزلات اللسان والأخرى تجره إلى قاع الجدل.
لا أنكر أن فكرة الصمت تلك سلطة تفرض سيطرتها على أفكاري كثيراً كما فرضت سلطتها على الكثيرين ممن يفضلونها على الكلام إلا أن قول ابن تيمية رحمه الله : ( فالتكلم بالخير خيرٌ من السكوت عنه والصمت عن الشر خيرٌ من التكلم فيه ) يطرق أبواب ذهني فيجعلني أحياناً أخوض على مضض غمار التجربة.
ولعل ما يزيد الأمر سوءاً من وجهة نظري هي تلك الاصطفافات والتكتلات التي نشاهدها صباح مساء في تويتر وتوابعه فتثير نقع أوار الخلاف وتحمل هاشتاق المعركة على أكف الاحتراب إلى صدارة الترند العالمي ليس لأهميته ولكن لانقياد كثيرٍ من المشاركين فيه في صلف التبعية المحض.
وكأن الواحد منهم في خضم دفاعه المستميت عن تلك الفكرة التي لا يحيط بكل تفاصيلها ولا دوافعها وربما لا يؤمن بها يتمثل بيت دريد بن الصمة :
وما أنا إلا من غزية إن غوت :: غويت وإن ترشد غزية أرشدِ
وهذا ما يدعو الكثير لتبني الدعوة إلى مقاطعة تلك الوسوم حتى لا تكتسب الشهرة فتنطفي جذوتها وتخمد في أتربة النسيان، وهو الأمر الذي أتفق معه شكلاً وأختلفُ موضوعاً ؛ فنحن لا نستطيع السيطرة على الآخرين ولا كبح جماح رغبتهم التعبير عن آرائهم لا سيما في هذا الوقت الذي أصبح فيه باب الرأي مفتوحاً على مصراعيه ، لذا فإن قول الحق يصبح في مواطن متعددة واجباً وحقاً مشروعاً لمن يملك القدرة .
تساءل قومٌ عند التابعي الجليل الأحنف بن قيس فقال بعضهم : أيهما أفضل الصمت أو النطق؟
فقال قوم : الصمت أفضل ، فأجاب رحمه الله : النطق أفضل لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه والمنطق الحسن ينتفع به من سمعه.
إن علينا في خضم سيل التقنية الجارف عند مشاهدة تلك السفسطة الحوارية خصوصاً إذا حملت في طيتها هجوم أعدائنا على ثوابتنا وقيمنا ووطننا أن نكون لهم بالمرصاد ونتصدى لهم بحزم ، ونوقن أيضاً أن الصمت يصبح غنيمةً باردةً في مواطن أخرى لمن لا يملك فن الحوار ولا القدرة العلمية والكفائية على السباحة عكس تيارات المغرقضين.
قال عليه الصلاة والسلام : ( رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم )

بواسطة : فؤاد السليمان
 0  0  401