• ×

03:41 صباحًا , الثلاثاء 21 مايو 2019

التعليقات ( 0 )

عندي حلم!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المتنبي الذي قارع شعراء عصره في ميدان الأدب وصرعهم واحداً تلو الآخر بشاعريته وبذهم ببلاغته، فبسط هوى أدبه على أديم الشرق الدافئ ، لم يُشغل الغرب بدراسة أعماله وترجمتها كما فعل بأعمال المعري ، وكما لم يُشغل بشاعر آخر من قبل!
ويرجع ذلك إلى أن الفيلسوف المشاكس كما أطلق عليه طه حسين ذهب بفلسفته أبعد من معاصريه فوافق شنُّه طبق الحداثة التي سبقها بقرون رغم تناقض وتشتت الكثير من أفكاره، لا سيما حين ألغى كل مرجعية عدا تلك التي خصها العقل فقال:
أيها الغرّ إن خُصصت بعقلٍ فاتبعه فكل عقلٍ نبي
ويعزو الدكتور عبد الوهاب المسيري هذه المفارقة إلى خلل النموذج الغربي الغارق في بحر المادية والنسبية المطلقة والمتوحشة التي تفرغ الإنسان من قيمته وتجعله نهباً للقوي شركة كان أو فرداً فتسخره لخدمة تلك المصالح بعيداً عن القيم أخلاقية كانت أو دينية أو إنسانية.
وعلى سبيل المثال فإن تمسك الفلسطينيين بحقهم في أرضهم ومقدساتهم بدا للغرب أمراً متخلفاً مثيراً للغيظ والحنق، فالرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون عرض على السلطة الفلسطينية آنذاك 30بليون دولار لقاء التنازل عن القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وهو عرض لا يمكن رفضه حسب المعيار الغربي المادي، فالقاعدة البراغماتية التي تقول if you cannot beat them join them أي إن لم تستطع هزمهم انضم إليهم تتسق مع النظرية الداروينية في أنها تُخضع الضعيف لهيمنة القوي وتجعل قوة الطبيعة ميزاناً للعدالة.
فالغرب لم يشنع على جرائم ستالين رغم أنها الأبشع كما فعل مع محارق هتلر مراعاةً لمصالحه ، كما أن الطاغية نفسه لم يكترث للبعد الإنساني وهو يمزق أشلاء الضعفاء فيبرر ذلك بما يطلق عليه المصلحة العامة.
هذه المادية الجوفاء هي التي يحاول البعض اليوم صبغ قضايانا بمفهومها النفعي حتى صرنا نقرأ لكتابٍ كلاماً على منوال لا حل لمشاكل القبلية والطبقية وغيرها سوى العلمانية ، وكأنها بلسم كل الجروح وميزان تكافؤ الفرص ومعصرة إذابة الفوارق.
ولعل أفضل رد على مثل هذه الدعوات هو نقد الغرب أنفسهم لغور القيم في الأنموذج الغربي حتى أخذت المدرسة الفرنكفورتية على مفهوم التنوير لدى الغرب أنه صار فيما بعد استنارةً مظلمةً وهو المصطلح الذي حول مناهضة العنصرية إلى مناهضة العنصرية ضد الرجل الأبيض فحسب ،حتى أفقنا أخيراً على مواجهات حامية بين الشرطة الأمريكية والسود في بعض ولاياتها أعادتنا إلى المربع الأول الذي صدح فيه مارتن لوثر كينج بخطابه الشهيرi have a dream لدي حلم!.
وهو ما جعل الدكتور عبدالله الغذامي يتساءل في كتابه الليبرالية الجديدة " هل الحرية رجلٌ أبيض؟" وفيه تناول محاولات الأمريكيين ضمن مفهوم "البوتقة الصاهرة" تبييض السود وتفحيل المرأة قبل ثورة كلٍ منهما على النموذج الحداثي الذي حاول أن يجعل المهاجر "كجوزة الهند" سمراء من خارجها بيضاء في جوهرها، وما تلى ذلك من مفاهيم أخرى تصحيحية كمفهومي "صحن السلطة "و"ألوان الطيف" ويسعيان إلى أن يحافظ فيهما كل مكون من مكونات المجتمع الأمريكي فيهما على خصائصه، لكنها جميعاً لم تفلح في إذابة تلك الفروق كما فعلت جملة العدل والمساواة في ميزان القيم التي أحالت الحلم إلى حقيقة " إنك امرؤ فيك جاهلية".

بواسطة : فؤاد السليمان
 0  0  557